ابن الأثير
485
الكامل في التاريخ
وجاء الرسول فدخل على النعمان بالكتاب فقال : نعم وكرامة ، وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال : إذا أصبحت ادخل إليه فخذه . فلمّا أصبح الرسول غدا إلى السجن فلم ير عديّا ، وقال له الحرس : إنّه مات منذ أيّام . فرجع إلى النعمان وأخبره أنّه رآه بالأمس ولم يره اليوم ، فقال : كذبت ! وزاده رشوة واستوثق منه أن لا يخبر كسرى ، إلّا أنّه مات قبل وصوله إلى النعمان . قال : وندم النعمان على قتله ، واجترأ أعداء عديّ على النعمان وهابهم هيبة شديدة . فخرج النعمان في بعض صيده ، فرأى ابنا لعديّ يقال له زيد فكلّمه وفرح به فرحا شديدا واعتذر إليه من أمر أبيه وسيّره إلى كسرى ووصفه له وطلب إليه أن يجعله مكان أبيه ، ففعل كسرى ، وكان يلي ما يكتب إلى العرب خاصّة ، وسأله كسرى عن النعمان فأحسن الثناء عليه وأقام عند الملك سنوات بمنزلة أبيه ، وكان يكثر الدخول على كسرى . وكان لملوك الأعاجم صفة للنساء مكتوبة عندهم ، وكانوا يبعثون في طلب من يكون على هذه الصفة من النساء ولا يقصدون العرب ، فقال له زيد بن عديّ : إنّي أعرف عند عبدك النعمان من بناته وبنات عمّه أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة . قال : فتكتب فيهنّ . قال : أيّها الملك إنّ شرّ شيء في العرب وفي النعمان أنّهم يتكرّمون بأنفسهم عن العجم ، فأنا أكره أن تعنّتهنّ ، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك ، فابعثني وابعث معي رجلا يفقه العربيّة ، فبعث معه رجلا جلدا ، فخرجا حتى بلغا الحيرة ودخلا على النعمان . قال له زيد : إنّ الملك احتاج إلى نساء لأهله وولده وأراد كرامتك فبعث إليك . قال : وما هؤلاء النسوة ؟ قال : هذه صفتهنّ قد جئنا بها . وكانت الصفة أنّ المنذر أهدى [ إلى ] أنوشروان جارية أصابها عند الغارة على الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ ، وكتب يصفها أنّها معتدلة الخلق ، نقيّة اللّون والثغر ، بيضاء ، وطفاء ، قمراء ، دعجاء ، حوراء ، عيناء ،